محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )
146
القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني
وللعلاقات بين الأشياء » كما يقول عالم الألسنيات الحديثة إميل بنقينيست . وهذا هو الشيء الذي ما انفك التفسير الإسلامي يفعله منذ أن كانت الدعوة التبشيرية قد أودعت أو ثبّتت كتابة في نص قانوني أو رسمي يدعى « المصحف » . ولكن الفعالية التفسيرية الإسلامية ظلّت منغلقة داخل الفضاء الإبستمولوجي القروسطي حتى في فترتها الأكثر إنتاجا وإبداعية ( أي بين القرنين الثاني والسادس للهجرة / الثامن - الثاني عشر للميلاد ) . بل وحتى في الفترة المعاصرة ، فإن التفسير الإسلامي يظلّ محكوما تماما بالأسبقية اللاهوتية ( أو المسلّمة اللاهوتية ) التي تقول بأن القرآن غير مخلوق . يضاف إلى ذلك ، أنه سواء أكان الأمر يتعلّق بالماضي أم بالحاضر ، فإن هذه المسلّمة اللاهوتية المسبقة تنطوي أيضا على بعد سياسي ملزم . فالواقع أن الطبقات السياسية القائدة كانت دائما تبحث في الهيبة المتعالية للقرآن عن مشروعية لا يؤمّنها مبدأ السلالة المالكة ، ولا الانتخابات الشعبية المتلاعب بها وبنتائجها أكثر من اللزوم . هذا يعني أن القيام بقراءة جديدة للقرآن اليوم لا يمكن أن يكون تمرينا ذهنيا مهتما فقط بالتركيبات الشكلانية أو « بتجميع الحقائق وتراكمها » ، وإنما ينبغي أن يكون توضيحا لحالة ثقافية تهيمن عليها الإيديولوجيات المسيّسة والحامية في شتى أنحاء العالم الإسلامي . سوف نحاول في هذه الدراسة تحقيق هدف مزدوج بشكل متزامن : فمن جهة نريد تحقيق هدف نظري عن طريق الإسهام في تشكيل تيبولوجيا للخطاب الديني . ونريد من جهة ثانية تحقيق هدف عملي عن طريق توليد أدوات جديدة وفعّالة لخدمة الفكر الإسلامي المعاصر . وهي على كل حال أكثر فعالية من تلك الأدوات القديمة التي لا يزال يعتقد أنه يتعيّن عليه أن يبحث عنها في تراثه الكلاسيكي . سوف نبتدئ باستكشاف وتجميع الخصائص الأزلية الملازمة أو الملاصقة للنصّ . ومن خلال ذلك يمكننا أن نفرز ونموضع بشكل أفضل منهجية التفسير التقليدي ومعطياته . وبعد أن نكتشف نواقص هذا التفسير ، نأمل بإمكانية فتح الطريق أمام القراءة التعدّدية التي سنقترحها على القرّاء . النصّ نحن نعلم أنه نادرا ما تشكّل السور القرآنية وحدات نصّية منسجمة . وإنما تتشكّل ، في الغالب ، من نوع من التجاوز بين الآيات التي قد تختلف قليلا أو كثيرا في تواريخها ، أو من حيث ظروف الخطاب الذي لفظت فيه لأول مرة ، أو من حيث مضامينها ، أو صياغاتها التعبيرية . لكن هذا لا ينفي إمكانية العثور على فكرة مركزية حتى في « وحدة نصّية » طويلة جدا كسورة البقرة ( وهي السورة الثانية بحسب الترتيب الوارد في القرآن ولكن ليس بحسب